محمد راغب الطباخ الحلبي

453

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء

ولدت بحلب سنة إحدى وستين وثمانمائة ، وقرأت القرآن العظيم وطالعت الكتب ونسختها ونظمت ونثرت وحجت مرتين . وكانت صالحة خيرة . ولما احتضرت جرى منها أن حمدت اللّه تعالى على أن لم يكن في صندوقها إذ ذاك درهم ولا دينار . وكانت مستأجرة لبعض الجهات تسعين سنة ممن أضربه الفقر ، ولم يمض من المدة سوى القليل فردته على المؤجر وسامحته في باقي الأجرة . ومن شعرها ترثي أخويها العفيف الحسين والمحب عبد الباسط الآتي ذكرهما قولها : يا بين بالغت في الأشجان والمحن * وجلت فينا بجد ليس بالحسن أضرمت نار فؤادي والحشاء معا * أوليتني في الورى حزنا على حزن أغلقت باب علوم ثم باب هدى * أخذت مني محب الدين من وطني قد مات في غربة والشام مسكنه * يا ليتني قبل ذا أدرجت في كفني وقد فقدت عفيف الدين وا أسفي * فليت بعد عفيف الدين لم أكن قد كان موت محب الدين نائبة * وأطول حزني لذالك المنظر الحسن إلى أن قالت : وأطول حزني وواوجدي ووا أسفي * فيم الإقامة بالشهباء لا سكني ولها ترثي المحب وحده : دعوا دمعي بيوم البين يجري * فقد ذهب الأسى بجميل صبري وكيف تصبرّي وأخي رهين * بأرض الشام في ظلمات قبر فقدت أخي وكان أخي وظهري * على الحدثان سمّاعا لأمري فإن عجزت عن الندب الغواني * بعثت الدمع نظما غير نثر ولا يخفى أنما أرادت في المرثية الأولى بقولها لا سكني بها ولا ناقتي فيها ولا جملي على الاكتفاء أخذا من قول الطغرائي ( فيم الإقامة بالزوراء لا سكني ) البيت . وأرادت في المرثية الثانية بقولها ( فقد ذهب الأسى بجميل صبري ) يعني قد أذهب الأسى جميل صبري على نمط قوله عز وجل ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ أي أذهبه ولم ترد ذهاب الأسى مع جميل الصبر على أن الباء للمعية لفساد المعنى حينئذ . توفيت سنة ثمان وثلاثين .